ضياع بوصلة الأمة بين صراعات الهوية وتحديات المصير

تشهد الأمة الإسلامية في هذه المرحلة من تاريخها حالة من الاضطراب الفكري والسياسي غير المسبوق، حيث اختلطت الأولويات، وتداخلت العداوات، وتفرّقت الجهود في صراعات جانبية أضعفت قدرتها على مواجهة التحديات الكبرى. ومن أبرز مظاهر هذا الاضطراب انشغال قطاعات واسعة من الأمة في حالة استقطاب حاد بين كراهية إيران من جهة، والعداء للصهيونية من جهة أخرى، حتى أصبح هذا التنازع بديلاً عن بناء موقف استراتيجي جامع يواجه الأخطار الحقيقية المحدقة.
ومن منظور شرعي، فإن الأصل في ترتيب الأولويات هو مراعاة قاعدة “فقه الموازنات”، التي تعني تقديم الأهم فالمهم، ودفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما.
وإذا نظرنا إلى واقع الأمة اليوم، نجد أن الخطر الصهيوني يمثل تهديدًا وجوديًا، ليس فقط على أرض فلسطين، بل على مجمل المنطقة وهويتها ومستقبلها. فالمشروع التوسعي الذي يتبناه الكيان الصهيوني، والذي أعلنه نتن ياهو صراحة “إسرائيل الكبرى”، لا يقتصر على حدود جغرافية، بل يمتد ليشمل تفكيك المجتمعات، وإضعاف الدول، وإشاعة الفوضى التي تتيح إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحه.
في المقابل، فإن الخلاف مع إيران، رغم ما يحمله من أبعاد سياسية ومذهبية، لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتمزيق الصف أو لتغييب العدو الحقيقي، وقبولا بالتطبيع كما مهدت لذلك العمامة المأجورة قبل أيام، بكلام قميء وأدلة مستلة من قمامة الفكر ومنحدر الأخلاق!
فالإسلام لا يقرّ العصبيات العمياء، ولا يبرر تحويل الخلافات إلى حالة من العداء المطلق الذي يُستثمر من قبل الخصوم.
وفي التاريخ العبر، فالقوى الكبرى غالبًا ما تستفيد من انقسامات خصومها أكثر مما تستفيد من قوتها الذاتية.
إن الخطورة الحقيقية تكمن في تحويل الصراع الداخلي إلى أولوية مطلقة، بحيث يُعاد تشكيل وعي الأجيال على أن العدو هو القريب المختلف، لا البعيد المحتل.
وهذا الانحراف في البوصلة يؤدي إلى نتائج كارثية، منها استنزاف الطاقات، وتبرير التحالفات المشبوهة، بل وأحيانًا الوقوع في خدمة مشاريع معادية دون وعي.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة ضبط البوصلة وفق رؤية شرعية واعية، تقوم على عدة مرتكزات:
أولاً، إدراك أن وحدة الصف ليست خيارًا ترفيًا، بل ضرورة شرعية وسياسية، خاصة في مواجهة الأخطار الوجودية.
ثانيًا، التمييز بين الخلاف المشروع والصراع المدمر، بحيث تُدار الخلافات بالحكمة، دون أن تتحول إلى اقتتال أو تحريض دائم.
ثالثًا، بناء وعي جمعي يركز على القضايا الكبرى، وفي مقدمتها تحرير فلسطين وصون سيادة الأوطان، بدل الغرق في صراعات الهوية الضيقة.
رابعًا، التحرر من خطاب الكراهية الذي يعمي الأبصار والبصائر، ويجعل الأمة أداة في يد خصومها.
إن تجاوز الأحقاد لا يعني تجاهل الأخطاء أو التنازل عن المبادئ، بل يعني الارتفاع فوق الانفعالات الآنية نحو رؤية استراتيجية تحفظ مصالح الأمة.
فالخطر الداهم لا ينتظر، والمشاريع الكبرى لا تُواجه إلا بإرادة جامعة، ووعي ناضج، وقدرة على ترتيب الأولويات.
وفي الختام، فإن الأمة اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تستمر في الدوران داخل دوامة الصراعات الداخلية، فتزداد ضعفًا وتفككًا، أو أن تعيد توجيه بوصلتها نحو التحديات الحقيقية، فتستعيد قدرتها على الفعل والتأثير. والتاريخ لا يرحم من يخطئ في تحديد عدوه، ولا من يبدد طاقاته في معارك جانبية بينما الخطر الحقيقي يلتهمنا بوضوح، حتى لا نبكي اندلسا أخرى!

ضياع بوصلة الأمة بين صراعات الهوية وتحديات المصير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *