المولد النبوي: عهدٌ يُجدَّد ومنهجٌ يُتَّبَع

بقلم: الشيخ الدكتور أحمد محي الدين نصار
تعود إلينا ذكرى المولد النبوي الشريف كل عام، فتتجدد في القلوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتعالى الأصوات بالصلاة والسلام عليه، وتتسابق الكلمات في الحديث عن سيرته وشمائله. وكل ذلك جميل حين يكون تعبيرًا صادقًا عن المحبة والتعظيم، لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا: ماذا ستصنع هذه الذكرى في أخلاقنا وسلوكنا؟ وماذا سيبقى من المولد في حياتنا بعد أن تنتهي أيامه؟
فالمولد النبوي الشريف ليس مجرد تاريخ نستعيده، ولا مناسبة عاطفية نعيش دفأَها ساعات ثم نعود إلى حياتنا كما كنا؛ وإنما هو تذكير برسالة غيّرت وجه التاريخ، وأعادت بناء الإنسان، وأخرجت البشريةَ من ظلمات الضلال إلى نور الهداية، ومن سلطان الوثنية إلى التوحيد، ومن الظلم والاستعلاء إلى الكرامة والعدل والرحمة.
لقد أشرق نور النبوة على عالمٍ أنهكته الجاهلية، واضطربت فيه الموازين، واستُضعف فيه الضعفاء؛ ليحرر العقل والضمير، ويعيد الإنسان إلى فطرته الأولى على قاعدة الرحمة والعدل. وقد لخّص القرآن جانبًا عظيمًا من هذه الرسالة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
ولهذا انطلق البناءُ النبوي من الأخلاق؛ فعُرف المصطفى قبل النبوة بأنه يصل الرحم، ويصدق الحديث، ويحمل الكَلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، حتى عُرف بين قومه بالصادق الأمين. ثم جاء الشاهد الإلهي الأعظم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
فإذا أردنا أن نعرف حقيقة المولد، فلننظر إلى أخلاقنا قبل أن ننظر إلى كلماتنا، وإلى صدقنا قبل مدائحنا، وإلى رحمتنا بالضعفاء قبل مظاهر احتفالنا، وإلى عدالتنا مع من نختلف معهم قبل أن نتحدث طويلًا عن حبنا لرسولٍ قال فيه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾؛ وهذه الرحمةُ ليست عاطفةً مجردةً، بل منهجُ حياة: رحمةٌ بالإنسان والضعيف والفقير واليتيم والجار والمخالف، وعدلٌ في الحكم، وإحسانٌ في المعاملة، ورفقٌ في الدعوة، وحفظٌ للكرامة، ورفضٌ للظلم والعدوان.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية أمام ذكرى المولد النبوي الشريف؛ فالمشكلة ليست في أن نُعَبِّر عن محبتنا للنبي صلى الله عليه وسلم، بل في أن تقف هذه المحبة عند حدود اللسان دون أن تُلامس واقع السلوك. إذ من المؤلم أن نحتفي برسول الرحمة والإيثار ثم تضيق صدورنا بالخَلْق، وأن نمدح نبي العدل ثم نرضى بالظلم إذا وافق أهواءنا! فالمحبة النبوية ليست مجرد كلمات تُقال، بل اتباعٌ يصدّقه العمل؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
ومن هنا، لا يتطلب الأمر الانتقاص من مشاعر الفرح، بل الارتقاء بالمولد من العاطفة إلى الرسالة، ومن الذكرى إلى القدوة؛ ليكون الصادقُ فينا أكثرَ صدقًا، والأمينُ أكثرَ أمانة، والقويُّ أكثرَ عدلًا، والغنيُّ أكثرَ إحسانًا؛ وعندها فقط يتحول المولد إلى مدرسةٍ لبناء الإنسان، لا مجرد مناسبة عابرة.
إن أزمتنا اليوم ليست في قلة ما نعرفه عن تاريخنا، بل في ضعف ما نُمثله من قيمه؛ فالحضارة لا تُستعاد بالحنين إلى أمجادها، والأمة لا تنهض بكثرة الحديث عن رسالتها، وإنما بتحويل المبادئ إلى سلوك، والعدل إلى واقع، والرحمة إلى ثقافة، وإيمانها إلى عمل صالح. فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليقيم في الأرض ميزان العدل، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾؛ لتتحول القيم من نصوصٍ تُتلى إلى حياةٍ تُعاش في بيوتنا وأعمالنا ومجتمعاتنا.
ولذلك فإن أعظم ما نقدمه للنبي صلى الله عليه وسلم في ذكرى مولده أن نعيد إلى الرحمة مكانها، وإلى العدل أثره، وإلى الأمانة قيمتها، وإلى العلم دوره، وأن نحفظ للضعيف كرامته، ولليتيم حقه، وللخلاف أدبه. فالمولد الحقيقي ليس يومًا في التقويم، بل يومٌ يولد فينا فيه معنى جديد: قلبٌ أكثر رحمة، وعقلٌ أكثر وعيًا، وضميرٌ أكثر يقظة، ومجتمعٌ أكثر عدلًا.
لقد انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، لكن رسالته لم تمت؛ بقي القرآن، وبقيت سنته، وبقيت قيمه، وبقي التكليف الذي حمله إلينا. فموت حامل الرسالة لا يعني موت الرسالة، وغياب صاحب المنهج لا يعني غياب المنهج.
ومن هنا، ينبغي أن توقظ فينا الذكرى سؤال الأمانة: هل صار حب النبي صلى الله عليه وسلم اتباعًا، وهل تركت سيرته أثرًا في سلوكنا؟ إننا لا نحتاج في المولد إلى مزيد من الضجيج، بقدر ما نحتاج إلى صدق في تجديد العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن تدخل عظمة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أخلاقنا، ورحمته إلى معاملاتنا، وعدله إلى مواقفنا، وأمانته إلى أعمالنا. فحين تصبح السيرةُ خلقًا، والصلاةُ عليه عهدًا، والاقتداءُ به عملًا، يتحول المولد من ذكرى عابرة إلى مشروع حياة.
فالمولد الحقيقي ليس فرحًا يولد في يوم ثم ينطفئ بانطفائه، بل أن يولد فينا معنى محمد صلى الله عليه وسلم كل يوم؛ وحينئذٍ لا تكون الذكرى استعادةً للماضي، بل استئنافًا للمستقبل، ولا يكون الاحتفاء بمولده صلى الله عليه وسلم كلماتٍ تُقال، بل عهدًا يُجدَّد ومنهجًا يُتَّبع.
فصلوات الله وسلامه على من كان مولده إيذانًا بميلاد الهداية، وعلى من أرسله الله رحمةً للعالمين، وترك للأمة نورًا لا ينطفئ، ومنهجًا لا يموت.

المولد النبوي: عهدٌ يُجدَّد ومنهجٌ يُتَّبَع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *