الشيخ الدكتور أحمد محي الدين نصار
ليست خطورة الشبهة في أن تصل إلينا، بل في أن تجد عقلًا لم يتعلم كيف يتعامل معها. ففي عالم مفتوح، يحمل فيه كل إنسان مكتبة ومنبرًا وشاشة في هاتفه، لم يعد ممكنًا حماية الإيمان بمنع الأسئلة، ولا مواجهة الإلحاد بجمع قائمة من الاعتراضات وإعداد جواب جاهز لكل واحد منها. فالشبهات تتغير، والأسئلة تتجدد، وما يبدو اليوم مقنعًا قد يأتي غدًا في صورة مختلفة. ولذلك ربما كان السؤال الأهم ليس: كيف نرد على كل شبهة؟ بل: كيف نبني إنسانًا لا تهزه كل شبهة؟
هنا تبدأ العقيدة الإسلامية من مكان مختلف. فهي لا تطلب من الإنسان أن يغلق عقله كي يؤمن، وإنما تدعوه إلى فتحه: أن ينظر في الكون، ويتأمل في نفسه، ويسأل عن أصل الوجود وغايته ومصيره. وحين يقول القرآن: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فإنه لا يهرب من السؤال، بل يضع الإنسان في قلبه، ويدعوه إلى التفكير فيما يقود إليه.
ولهذا فإن المواجهة الحقيقية للإلحاد تبدأ قبل ظهور الشبهة. تبدأ حين يتعلم الإنسان عقيدته لا بوصفها مجموعة تعريفات يحفظها، بل رؤية يفهم بها الله والإنسان والكون والحياة؛ أن يعرف لماذا يؤمن، لا أن يعرف فقط بماذا يؤمن. فالإيمان الذي يقوم على الفهم ويغترس في وجدان النفس بتزكيتها وتذوق حلاوة العبادة، هو الأقدر على الصمود حين يدخل صاحبه عالمًا تتصارع فيه الأفكار وتتزاحم فيه الرؤى.
لكن بناء العقيدة لا يكتمل إذا ربينا الإنسان على الخوف من السؤال. ففي بعض البيئات يتحول التساؤل إلى تهمة، فيتعلم الشاب أن يخفي حيرته بدل أن يناقشها. والسؤال الذي لا يجد مكانًا آمنًا في البيت أو المدرسة أو المسجد، سيبحث عن مكان آخر، وقد يجد من يستمع إليه على شاشة هاتفه قبل أن يجد من يستمع إليه في محيطه.
لذلك نحتاج إلى إعادة الاعتبار للسؤال الصادق. فليس كل سؤال إلحادًا، ولا كل شك خروجًا من الإيمان. وقد يكون التساؤل بداية يقين أعمق إذا وجد علمًا يحاوره وعقلًا يحترمه. والعقيدة الواثقة من حجتها لا تخشى السؤال، بل تخشى أن نترك صاحبه وحيدًا أمامه.
ثم إن أصحاب الشبهات ليسوا نسخة واحدة. فمنهم من يحمل إشكالًا فلسفيًا، ومنهم من التبس عليه سؤال علمي، ومنهم من تألم من تجربة قاسية، أو صدمه سلوك متدين يناقض القيم التي يتحدث عنها. ولهذا قد يكون السؤال الظاهر واحدًا، بينما تختلف جذوره. ومن الحكمة أن نسأل قبل أن نجيب: ما الذي أوصل هذا الإنسان إلى سؤاله؟
هنا يصبح الحوار جزءًا من المعالجة. وليس الحوار مباراة لإحراج الخصم، ولا ساحة لجمع التصفيق بعد إسكات الطرف الآخر؛ فقد نربح مناظرة ونخسر إنسانًا. والحجة القوية لا تحتاج إلى إهانة صاحب السؤال، بل إلى علم وهدوء وعدل. ولهذا جاء التوجيه القرآني: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
ومواجهة الإلحاد لا تكون بالكلمات وحدها. فحين يرى الإنسان حديثًا عن الرحمة ثم يواجه القسوة، أو يسمع عن الأمانة ثم يشاهد الفساد، قد ينقل ـ خطأً ـ اعتراضه من المتدين إلى الدين. لذلك تصبح القدوة نفسها حجة، ويصبح العدل والرحمة والأمانة جزءًا من حماية صورة الإيمان في المجتمع.
أما في عصر الإنترنت، فلم يعد الحل إقامة الأسوار حول العقول. لا نستطيع منع الإنسان من الوصول إلى الأفكار، لكننا نستطيع أن نعلّمه كيف يفرّق بين الدليل والادعاء، وبين الحقيقة العلمية والتفسير الفلسفي لها، وكيف يستند إلى البديهيات العقلية والمنطق السليم ليلتقط المغالطة، ويسأل دائمًا: ما البرهان؟
وهذا هو التحول الذي نحتاج إليه: من مطاردة الشبهات إلى بناء المناعة الفكرية، ومن تلقين الأجوبة إلى تعليم التفكير، ومن الخوف على الإيمان من السؤال إلى بناء إيمان قادر على مواجهته.
فليس المطلوب أن نربي جيلًا لم يسمع بالشبهة؛ فهذا لم يعد ممكنًا. المطلوب أن نبني إنسانًا إذا سمعها لم يتزعزع، وإذا لم يعرف سأل، وإذا وجد اعتراضًا بحث، وإذا آمن عرف لماذا يؤمن.
إن الطريق من الشبهة إلى اليقين لا يبدأ بإغلاق باب السؤال، بل بفتح باب العقل على إيمان يعرف كيف يفكر.
